حسن الأمين

102

مستدركات أعيان الشيعة

يضعوا هذه الحدود التي تفرق بين ما هو فكر وما ليس هو بفكر ، حين قالوا أن وحدة الفكر هي « القضية » والقضية هي ما يجوز أن يقضى فيها بحكم عليها إما بأنها صادقة وإما بأنها كاذبة ، وبطبيعة الحال لا يكون الصدق أو الكذب ذا معنى مفهوم إلا إذا وصف به نبا يقرر به صاحبه تقريرا ما عن شيء ما ، أما إذا تمنى أو أمر أو نهى أو صرخ صرخة ألم أو ضحك ضحكة مسرور ، فليس هذا مما يقال عنه أنه صدق أو كذب ، وبعبارة مختصرة ، لا يكون الكلام تفكيرا علميا وفلسفيا إلا إذا كان أحكاما على أمور الواقع ، وأما ما كان منه تعبيرا عن ذات النفس من داخل فهو أدب وفن وليس علما ولا فلسفة . هذا المعنى نراه في قول جابر عن أقوال اللغة إنها مما لا تدخل في اختصاص الفلاسفة إذا كانت أمرا أو نهيا أو طلبا أو تمنيا أو ما إلى ذلك ، وأما إذا كانت تحمل خبرا ففيها عندئذ الفائدة العظمى « وقد ينقسم القول إلى المبتدأ والخبر ، وأما الخبر فهو الذي فيه الفائدة العظمى . . . وهو الذي يحتمل الصدق والكذب ، وفيه تدفن العجائب من الكلام ، من المحال والحق ، ومن لم يحسن يقين الأخبار ، ويقايس بعضها ببعض ، فإنه عري من علم الفلاسفة والفلسفة . . . » ( 1 ) . « و [ نفول ] نقول أيضا في الشعر والبلاغة الخطيبة ، أنه لا فائدة من علومنا فيها ، ولكنها نافعة في مواضع أخر من ترتيب الحروف نفسها » ( 2 ) . وهذه تفرقة من جابر بن حيان كانت وحدها تكفي لنحييه عالما فيلسوفا له من دقة التحليل والتمييز ما يحاول بلوغه أصحاب مدرسة التحليل المعاصرة التي ينتمي إليها كاتب هذا البحث . نعود فنقول أنه لو بلغت اللغة حد كمالها المنطقي ، لجاءت كلماتها مساوية لأشياء العالم الخارجي ، ثم لجاءت أحرف الكلمات مقابلة لطبائع تلك الأشياء - ونحن نتكلم الآن بلسان ابن حيان - فلا زيادة فيها ولا نقصان ، لكن الذي يحدث فعلا في اللغة القائمة المتداولة هو أنها بعيدة عن هذا الكمال ، فكلمات زادت حروفها عن الأصل المطلوب ، وكلمات أخرى نقصت حروفها عن الأصل المطلوب ، وإذن فالخطوة الأولى التي يتحتم علينا البدء بها ، إذا أردنا أن نستشف طبائع الأشياء الخارجية من أسمائها في اللغة ، هي أن تسقط الزوائد من الكلمة إن كان فيها زوائد ، أو أن نضيف النواقص إن كان فيها ما هو محذوف . لكننا لكي نحذف أو نضيف ، ينبغي أولا أن نستوثق من أصول الكلمات ما هي ، ومن الأحرف الزائدة ما هي ، فاما الأحرف الزائدة فهي عشرة ، وهي الهمزة ، واللام ، والياء ، والواو ، والميم ، والتاء ، والنون ، والسين ، والألف ، والهاء - وهي حروف يجمعها قولك : « اليوم تنساه » . ويفصل جابر القول في هذه الأحرف الزائدة فيقول ( 3 ) : « أما الميم واللام فمخصوص بهما الاسم ، واللام يصحبها الألف وهما للتعريف . . . وتزاد اللام أيضا في » الذي « . . . أما الميم فإنها تزاد في مكرم ومستضرب وما شاكل ذلك . . . وأما الهمزة فتزاد في أحمد وأفضل وهما اسمان ، وفي أحسن وأكرم وهما فعلان ، وإنما نريك ذلك - وليس مقصدنا تعليمك النحو - لأن من الأحجار والعقار والحيوان ما يقع اسمه كالاسم وما يقع اسمه كالفعل ، فنريك الحروف التي هي زائدة في الأفعال وزائدة في الأسماء ، أو زائدة في الأسماء وأصلية في الأفعال ، أو أصلية في الأسماء وزائدة في الأفعال ، ليحكم على كل شيء بحكمه ، والياء تزاد في » يعمل « ( 4 ) وهو اسم ، وفي » يضرب « وهو فعل ، والواو تزاد في » جوهر « وهو اسم ، وفي » حوقل « وهو فعل ، والتاء تزاد في » تنضب « وهو اسم ، وفي » تضرب « وهو فعل ، والنون تزاد في » نرجس « وهو اسم ، وفي » نضرب « وهو فعل ، والسين تزاد في » مستضرب « وهو اسم ، وفي » استضرب « وهو فعل والألف تزاد في » مضارب « وهو اسم ، وفي » ضارب « وهو فعل والهاء تزاد في » قائمة « وهو اسم ، وفي » ارمه « وهو للموقف . ويضرب لنا جابر أمثلة كثيرة لأسماء مواد يراها هامة في تركيب الدواء ، ليبين لنا أيها نعده أصيلا لا زيادة فيه ، وأيها فيه الزيادة حتى نعمد إلى حذفها قبل أن نحسب ميزان الحروف ، وهو ما نستدل به على طبيعة الدواء المستخرج من المادة المحسوب قدرها بهذا الميزان ، ومن قبيل كلامه في هذا الباب قوله ( 5 ) : « ينبغي أن تعلم أن الإثمد سالم ما لم تدخله الألف ولام التعريف ، وكذلك الأبهل من النبات ، فاما الأقاقيا فتسقط الألف الثانية والأخيرة ، فينبغي أن يوزن على أنه أق ق ى ، وأما النحاس والأنزروت فإنهما سالمان إذا سقط منهما الألف ولام التعريف ، وكذلك الذهب والكبريت ، وأما الفضة فتحذف منها كذلك تاء التأنيث . . . إلخ » وبعد أن يذكر لنا جابر قائمة طويلة من الأسماء على هذا النحو ، يختم الحديث بقوله : « ولولا أن يطول الكتاب ويسخف ، لأثبتنا فيه - كما أثبتنا في كتاب النبات وكتاب الأحجار وكتاب الحيوان - من تعديد ما فيها من أنواعها كلها ، ولكن ملنا إلى التخفيف وقد علمناك وجه القياس فيه » ( 6 ) . هو - بالطبع - إذ يقرر الأحرف الزائدة في الكلمة ، فإنما يقرر ذلك بعد معرفة مبنى الكلمة في أصلها واشتقاقها ، ففي الذهب والفضة - مثلا - يقول : « . . . فمعلوم أن الذهب أصل إذ هو برئ من ( الزوائد ) وصار هجاء الفضة ( فضى ) إذ الهاء إنما دخلت للتأنيث ولا ذكر لها » ( 7 ) وعن البنية الأصلية للكلمات يقول : « ومبنى الكلام المنطوق به كله على ثلاثة أوضاع : ثلاثي كقولك جمل ، ورباعي كقولك جعفر ، وخماسي كقولك

--> ( 1 ) كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، مختارات كراوس ، ص 9 - 10 . ( 2 ) نفس المرجع ، ص 11 . ( 3 ) الجزء الأول من كتاب الأحجار على رأي بليناس ، مختارات كراوس ، ص 136 - 137 . ( 4 ) » يعمل « و » تنضب « ليسا من الأسماء المألوفة لنا اليوم . ( 5 ) نسوق هنا أمثلة قليلة ، فارجع إلى التفصيل في « الجزء الأول من كتابه الأحجار على رأي بليناس » - مختارات كراوس ص 146 - 154 . ( 6 ) نفس المرجع ، ص 154 . ( 7 ) نفس المرجع السابق ، ص 134 .